Contents
Download PDF
pdf Download XML
2266 Views
107 Downloads
Share this article
Research Article | Volume 6 Issue 2 (July-December, 2025) | Pages 1 - 7
The Legal Framework of the Right to Self-Defense Against Unlawful Aggression
1
Independent Researcher, Baghdad, Iraq
Under a Creative Commons license
Open Access
Received
June 22, 2025
Revised
July 19, 2025
Accepted
Aug. 6, 2025
Published
Aug. 16, 2025
Abstract

This study examines one of the most prominent grounds for justification in criminal law: the right to self-defense. It explores the legal basis, conditions, limits, and regulatory constraints governing this right in the context of unlawful assaults. The research analyzes relevant legal texts from both Iraqi and Egyptian penal codes, highlighting judicial applications that demonstrate the degree of flexibility or rigidity with which these legal systems approach cases involving self-defense. The findings indicate a general consensus across the studied jurisdictions that an act is justified if it responds to an imminent and unlawful threat, when recourse to public authorities is not possible, and where there is proportionality between the defensive act and the aggression. However, key differences emerge in the specifics—particularly regarding the limits of self-defense, the consideration of the defender’s psychological state, and incidents involving public officials. The study also discusses the social and cultural dimensions influencing the application of this right, especially in communities where customary values lead to a broader interpretation of self-defense. This necessitates more precise and balanced legal mechanisms from both legislatures and judiciaries. The significance of this research lies in its analytical contribution to understanding self-defense as a legal safeguard without compromising public order. It also addresses a notable gap in Arab legal doctrine and jurisprudence.

Keywords
INTRODUCTION

أولا: المقدمة

يُعد الدفاع الشرعي أحد الحقوق الطبيعية الأساسية التي أقرتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، ويستند إلى غريزة البقاء لدى الإنسان وحقه في حماية نفسه وماله وعرضه من أي اعتداء غير مشروع. ولما لهذا الحق من أهمية بالغة، فقد أولته التشريعات الجنائية اهتمامًا خاصًا، وجعلته أحد أهم أسباب الإباحة التي تُسقط الصفة الإجرامية عن الفعل إذا تم في إطار رد العدوان. وقد نظم القانونان العراقي والمصري حق الدفاع الشرعي ضمن مواد محددة في قانون العقوبات، حيث اعتبره المشرّع وسيلة قانونية تتيح للفرد استخدام القوة، في حدود الضرورة، لدرء خطر حالّ لا يمكن دفعه بوسيلة أخرى. وعلى الرغم من التشابه في الإطار النظري بين كلا التشريعين، إلا أن التطبيق العملي لهذا الحق يثير العديد من الإشكاليات، خاصة فيما يتعلق بتحديد طبيعة الخطر، والتناسب بين فعل الدفاع وفعل الاعتداء، ومتى يُعد استخدام القوة مشروعًا ومتى يُعتبر جريمة.

      ففي القانون العراقي، نُظّم الدفاع الشرعي ضمن المواد (42–44) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، حيث اشترط المشرّع لقيام هذا الحق: وجود خطر حالّ، وعدم التمكن من اللجوء إلى السلطات العامة، والتناسب بين الدفاع والاعتداء. كما ميّز القانون بين الدفاع المشروع والتجاوز في الدفاع، حيث أتاح تخفيف العقوبة في حالة تجاوز الحدود، متى ثبت أن ذلك تم تحت تأثير الاضطراب أو الخوف. أما القانون المصري، فقد نظّم الدفاع الشرعي في المواد (245–247) من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وبيّن من خلالها حالات الدفاع المشروع، وشروطه، وحدود المسؤولية عند تجاوزه. ويُلاحظ أن القضاء المصري قد تبنّى في كثير من الحالات تفسيرًا مرنًا للدفاع، يُراعي ظروف المدافع النفسية والواقعية، بما يحقق نوعًا من التوازن بين حماية الفرد والنظام العام.

وتأتي أهمية هذه الدراسة من كون الدفاع الشرعي يشكل محورًا أساسيًا في الفقه الجنائي، لما له من أثر مباشر على التمييز بين الفعل المشروع وغير المشروع، وبين العدالة والدفاع وبين الفوضى والانتقام. كما تتجلى الضرورة العملية لهذا الموضوع في ظل تزايد حالات العنف، وظهور أنماط جديدة من الجرائم، ما يفرض إعادة النظر في آليات حماية الأفراد ضمن إطار قانوني منضبط. لذا، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الإطار القانوني لحق الدفاع الشرعي في القانونين العراقي والمصري، مع بيان أوجه التشابه والاختلاف بينهما، واستعراض الاتجاهات الفقهية والقضائية المتعلقة بتفسير هذا الحق. وستُعتمد في ذلك منهجية تحليلية مقارنة، تجمع بين دراسة النصوص القانونية ومناقشة التطبيقات القضائية، للوصول إلى تقييم موضوعي وشامل لهذا الحق الحيوي في المنظومة الجنائية. 


 

ثانيًا: أهمية البحث

تبرز أهمية هذا البحث من كونه يتناول أحد أهم أسباب الإباحة في القانون الجنائي، وهو الدفاع الشرعي، الذي يُعد وسيلة لحماية الفرد في مواجهة الخطر المباشر دون الرجوع إلى السلطات. وتزداد أهمية البحث في ظل تزايد حالات العنف والاعتداءات، ما يستدعي إعادة النظر في التنظيم القانوني لهذا الحق. كما يسلّط البحث الضوء على الفروقات بين التشريعات في تطبيق هذا المبدأ، مما يُسهم في تطوير الفقه القانوني وتحقيق توازن بين حماية الفرد والنظام العام.

 

ثالثًا: مشكلة البحث

تتمثل مشكلة البحث في مدى كفاية الإطار القانوني المنظم لحق الدفاع الشرعي، من حيث وضوح شروطه وحدود تطبيقه، وتحديد الخط الفاصل بين الدفاع المشروع والتجاوز غير المبرر. كما تُطرح إشكالية في تفسير "الخطر الحال"، وشرط "التناسب"، ودور القضاء في توجيه هذا المفهوم ضمن التطبيق العملي للقوانين.

 

رابعًا: منهجية البحث

يعتمد البحث على المنهج التحليلي والمقارن، من خلال تحليل نصوص القوانين في العراق ومصر وفرنسا، ومقارنتها من حيث شروط الدفاع وحدوده. كما يُستخدم المنهج الوصفي لعرض المفاهيم العامة، إلى جانب تحليل بعض السوابق القضائية لتوضيح التطبيق العملي لهذا الحق.

 

خامسًا: هيكلة البحث

ينقسم البحث إلى ثلاثة مباحث رئيسية:

 

  • المبحث الأول: يتناول التعريف بالدفاع الشرعي والأساس القانوني له.

  • المبحث الثاني: يركّز على شروط الدفاع الشرعي والقيود القانونية.

  • المبحث الثالث: يعرض موقف التشريعات المقارنة (المصرية والفرنسية) مع القانون العراقي.

 

المبحث الأول:  إطار الدفاع الشرعي وجذوره القانونية

يتناول هذا المبحث تحليلًا لمفهوم الدفاع الشرعي من منظور قانوني، متتبعًا أسسه وأبعاده النظرية والتشريعية. ويُعنى هذا المبحث بتوضيح المرتكزات التي يستند إليها هذا المفهوم ضمن الأنظمة القانونية، لا سيما القوانين الجزائية.

 

المطلب الأول: ماهية الدفاع الشرعي

يشير مصطلح الدفاع الشرعي إلى حق مقرر قانونًا يتيح للشخص أن يتصدى لأي اعتداء غير مشروع يُهدد أمنه أو سلامته أو ممتلكاته، باستخدام القوة الضرورية والمتناسبة مع طبيعة هذا الاعتداء، وذلك بهدف دفع الضرر وحماية الحق المُعتدى عليه [1]. يُستخلص من المبادئ القانونية أن الدفاع الشرعي يمثل حالة خاصة تُبرر فيها الأفعال التي تُرتكب عادةً لتُعدّ جرائم، بشرط أن تكون قد اقتضتها الضرورة لرد اعتداء حال وغير مشروع. ومن هذا المنطلق، فإن استعمال القوة لا يُعد فعلًا مخالفًا إذا كان قد تم بهدف التصدي لخطر وشيك الوقوع ولم يكن بالإمكان تفاديه بوسائل أخرى. وتُقدَّم مصلحة المدافع في هذه الحالة على مصلحة المعتدي، لما في ذلك من حماية مشروعة للذات أو الغير[2]. ويُشترط أن يكون سلوك المدافع متناسبًا مع حجم الخطر، وأن يُمارس هذا الحق في التوقيت المناسب وبالقدر الضروري دون تجاوز ولم يكن الفقه الإسلامي بمعزل عن هذا المفهوم، بل أكّد على مشروعية الدفاع عن النفس من خلال العديد من النصوص الشرعية التي منحت الإنسان الحق في دفع العدوان وصون كرامته وممتلكاته، طالما التزم بحدود الضرورة وتجنّب الاعتداء [3].

 

المطلب الثاني:الأساس القانوني للدفاع الشرعي

يقوم الدفاع الشرعي على مبدأ قانوني أصيل يُتيح للفرد حماية نفسه أو غيره من خطر حالّ غير مشروع دون أن يتعرض للمساءلة الجنائية. ويُعد هذا الأساس متجذرًا في مختلف الأنظمة القانونية والشرعية، إذ يُنظر إلى المدافع بوصفه يمارس حقًا مشروعًا أملته عليه الضرورة، لا باعتباره فاعلًا لجريمة. ويستند هذا المفهوم إلى مبدأ الضرورة الاجتماعية، والذي يُبرر إباحة الفعل الذي قد يُشكل جريمة في الظروف الاعتيادية، إذا كان يُرتكب لرد عدوان آني لا يمكن دفعه بوسيلة أخرى. ويشترط لقيام الدفاع الشرعي أن يكون الخطر وشيكًا، والفعل الدفاعي متناسبًا مع حجم الاعتداء. وقد أكّد الفقه الإسلامي مشروعية هذا الأساس، حيث أجاز دفع الصائل حتى لو أدى ذلك إلى قتل المعتدي، مستندًا إلى مبدأ "درء الضرر الأكبر بالضرر الأصغر". كما سارت القوانين الوضعية على هذا النهج، ومن بينها قانون العقوبات المصري والعراقي، اللذان أقرّا بالدفاع الشرعي كسبب من أسباب الإباحة، ما دامت شروطه متوافرة. ويُعد الدفاع الشرعي من أبرز الضمانات القانونية التي تكفل الحماية الذاتية للفرد وتمنع الإفلات من العقاب في حال التعدي غير المشروع[4].

      تباينت آراء الفقهاء واختلفت الاتجاهات بشأن الأساس الذي يقوم عليه الحق في الدفاع الشرعي. فبينما ذهب فريق إلى اعتباره مستندًا إلى ضرورة اجتماعية تفرضها الحاجة إلى حماية الكيان الإنساني، رأى آخرون أن مصدر هذا الحق يرجع إلى مبدأ سلطان الإرادة كحق أصيل للفرد في الذود عن نفسه وحقوقه. ويميل الاتجاه السائد في الفقه القانوني إلى أن الدفاع الشرعي يجد أساسه في فكرة "الضرورة"، إذ أن القانون يجيز في بعض الظروف ارتكاب فعل كان يعدّ في الأحوال العادية جريمة، وذلك إذا كان ارتكابه يُمثل الوسيلة الوحيدة لدفع خطر محدق لا يمكن تفاديه بوسيلة أخرى أقل ضرراً. وتتحقق هذه الحالة حين لا يكون هناك وقت للجوء إلى السلطات المختصة، ويكون المدافع مضطرًا إلى ارتكاب الفعل من أجل دفع الأذى عن نفسه أو عن غيره. ويشترط لتحقيق هذا الدفاع أن يكون الخطر حالًا، وأن تكون الوسيلة المستعملة في دفعه متناسبة مع جسامة التهديد، وألا يتجاوز المدافع حدود الضرورة [5] .

      كما أيدت الشريعة الإسلامية هذا المفهوم، واعتبرته من المبادئ الثابتة التي تضمن للفرد الحق في حماية نفسه وأهله من الاعتداء، وهو ما أكدته النصوص الفقهية التي نصّت صراحةً على أن من يُقتل أثناء دفعه للمعتدي يُعد شهيدًا، إذا ثبت أن فعله كان ردًا على عدوان غير مشروع لم يكن بالإمكان دفعه بغير القوة. ولعل أبرز ما يُستدل به على هذا المعنى هو ما ورد عن الفقهاء في تأكيدهم أن الدفاع لا يتحقق إلا عند استحالة الالتجاء إلى السلطات، مع تحقق نية الدفاع لا الانتقام، وأن يُمارس الفعل الدفاعي في اللحظة المناسبة، قبل فوات الأوان، إذ قد يتحول بعد ذلك إلى جريمة لا يبررها القانون أو الشرع [6]

      عند النظر في طبيعة الدفاع الشرعي، يتبين أنه يتجه نحو مواجهة خطر محدق صادر عن إنسان، ويستلزم بالضرورة أن يكون هذا الفعل موجهًا لدرء عدوان حال، بحيث لا يكون ثمة وقت للجوء إلى الجهات المختصة. وهو يختلف عن حالة الضرورة التي تتيح للفرد ارتكاب فعل محظور قانونًا في سبيل درء ضرر جسيم غير مشروع، حتى إن لم يكن صادرًا عن فعل إنساني، كحالة إنقاذ غريق أو الهروب من حريق. ومن هذا المنطلق، لا يُعد الشخص الذي ارتكب فعلًا تحت تأثير الدفاع الشرعي مرتكبًا لجريمة، بل يُعفى من المسؤولية، ويُنظر إلى سلوكه بوصفه مشروعًا، طالما توافرت فيه الشروط اللازمة للدفع المشروع. أما في حالات الضرورة، فإن مرتكب الفعل يظل مسؤولًا عن فعله جنائيًا، لكن تتخفف عنه العقوبة لقيام ظرف مخفف، لا لغياب الجريمة من أصلها. وبالتالي، ترتفع المسؤولية الجنائية في الدفاع الشرعي، بينما تُخفف في حالة الضرورة بسبب العذر، ما لم يكن الفعل فيه تجاوزًا يتخطى متطلبات الحالة القائمة.[7] 

      وقد سعى بعض الفقه إلى التمييز بين الدفاع الشرعي والضرورة من خلال معيار التوجيه، إذ أن الدفاع يكون موجهًا ضد إنسان، في حين أن الضرورة قد تنشأ عن عوامل غير إنسانية، كالزلازل أو المرض أو المجاعة، أو حتى أفعال حيوانية. كما أشار آخرون إلى أن الدفاع الشرعي يقوم على حماية القانون، بينما الضرورة تُعتبر استثناءً من تطبيقه . أما من حيث التكييف، فقد ذهب فقهاء إلى أن الإكراه يختلف عن الدفاع الشرعي؛ فالإكراه ينطوي على إرغام المجني عليه على ارتكاب فعل غير مشروع تحت تهديد حال، لكن الفاعل لا يملك الإرادة الكاملة، ولا يختار فعله بحرية. وهنا يكون التركيز على فقدان الإرادة لا على مشروعية السلوك. وبالتالي، فإن الإكراه لا يؤدي بالضرورة إلى انتفاء المسؤولية بالكامل، بل يُعد مانعًا للمساءلة وفقًا لما إذا كان الإكراه ماديًا أم معنويًا [8].

 

المبحث الثاني: شروط الدفاع الشرعي

يُعد الدفاع الشرعي من أهم الأسباب المبررة للفعل الجنائي، غير أن الاعتراف بشرعيته لا يكون مطلقًا، بل يتطلب توافر شروط دقيقة تتعلق بالفعل والاعتداء معًا. وعليه، ينقسم هذا المبحث إلى مطلبين أساسيين: الأول يتناول شروط الاعتداء، والثاني يعالج شروط فعل الدفاع.

 

المطلب الأول: شروط الاعتداء والاعتراض

 حتى يُعد الفعل محل الدفاع مشروعًا، لا بد أن يكون ردًا على اعتداء محدد تتحقق فيه جملة من الشروط القانونية. أول هذه الشروط هو أن يكون الاعتداء **غير مشروع**، أي أنه لا يستند إلى حق قانوني أو تفويض من القانون. فلا يُعتبر الاعتداء قائمًا إذا كان الفعل صادرًا عن موظف أثناء أدائه لواجب وظيفي مشروع كتنفيذ أمر قضائي مثلًا. وثاني الشروط أن يكون الاعتداء **حالًا أو وشيك الوقوع**، بمعنى أن يكون الخطر قائمًا فعلًا أو على وشك أن يتحقق، ويستحيل تجنبه إلا بالفعل الدفاعي. فلو وقع الاعتداء وانتهى، فلا يكون من الجائز الرد عليه، كما أن التهديد البعيد لا يُعطي مبررًا للدفاع. يذهب الفقه إلى أن "الحالة الآنية للاعتداء هي مناط شرعية الدفاع" لأن انتظار وقوع الخطر قد يُفقد المدافع فرصة الحماية الذاتية المشروعة [9] كما يجب أن يكون الاعتداء موجهاً إلى حق يقره القانون، سواء كان هذا الحق متصلًا بالحياة أو السلامة البدنية أو المال أو العرض أو الحرية، وهي حقوق محمية بموجب التشريعات الجنائية والدساتير. ولا يمكن تبرير الفعل الدفاعي ما لم يكن الاعتداء يهدد أحد هذه الحقوق الجوهرية. ومن الشروط الأخرى التي أشار إليها بعض الفقهاء أن يكون الاعتداء صادراً من إنسان، وهو ما يميز الدفاع الشرعي عن حالة الضرورة، إذ إن الأخيرة قد تنتج عن قوى الطبيعة أو الحيوانات أو أي سبب غير بشري. ومع ذلك، هناك اتجاه حديث لا يضع هذا القيد، معتبرًا أن المهم هو وجود خطر حالّ لا يمكن دفعه إلا بالفعل الدفاعي [10]. وخلاصة القول أن الاعتداء الذي يُجيز الدفاع يجب أن يكون غير مشروع، حالًّا، موجّهًا إلى مصلحة قانونية، بحيث يتعذر على المدافع اللجوء إلى السلطة العامة في الوقت المناسب. وهذه الشروط هي التي تُمكّن المحاكم من التمييز بين الفعل المشروع والفعل الانتقامي أو التعسفي.

 

المطلب الثاني: شروط فعل الدفاع

 لا يكفي لتحقق الدفاع الشرعي وجود اعتداء بالمواصفات المشار إليها، بل يجب أيضًا أن تتوافر شروط محددة في الفعل الدفاعي نفسه، وإلا فقد يفقد صفته المشروعة ويتحول إلى جريمة. وأول هذه الشروط أن يكون فعل الدفاع ضروريًا، أي أنه لا بديل عنه لدفع الاعتداء، وأن تكون الظروف تقتضي التدخل الفوري دون الرجوع للسلطات. كذلك، يُشترط أن يكون الفعل متناسبًا مع الخطر، فلا يجوز استخدام قوة مفرطة تفوق ما يلزم لدفع الاعتداء. فمثلًا، لا يجوز قتل معتدٍ غير مسلح في حال كان بالإمكان منعه بالضرب أو التهديد. ويُعد مبدأ التناسب حجر الزاوية في تنظيم هذا الحق، إذ أن التجاوز في الرد يُخرج الفعل من نطاق الدفاع الشرعي إلى دائرة التجاوز غير المبرر، والذي قد يخضع لتقدير القاضي وفقًا لظروف كل حالة [5].

 

ومن الشروط الأساسية الأخرى أن يكون الدافع إلى ارتكاب الفعل هو **النية الدفاعية** فقط، لا الانتقام أو التشفّي. فلو ثبت أن الفاعل ارتكب فعله بدافع شخصي كالحقد أو الرغبة في الإيذاء، فإن ذلك يسقط عنه الحماية القانونية. كما يُشترط أن يكون المدافع **مدركًا لحالة الدفاع**، أي أنه يعي أنه يتعرض لخطر آني، مما يُبعد عنه وصف الفعل التلقائي أو غير الواعي. وينبغي الإشارة إلى أن بعض التشريعات، ومنها قانون العقوبات العراقي والمصري، نصت صراحة على هذه الشروط، وأدرجت الدفاع الشرعي ضمن الأسباب المبيحة للجريمة، شريطة ألا يكون هناك تجاوز واضح لهذه الحدود. ختامًا، فإن فعل الدفاع لا يُعد مشروعًا إلا إذا كان ضرورياً، متناسباً، وناشئًا عن نية الدفاع. وهذه الشروط هي التي تضمن الحفاظ على التوازن بين الحق في الحماية الذاتية، ومنع إساءة استخدام هذا الحق[11].

 

المطلب الثالث: قيود الدفاع الشرعي

رغم الاعتراف القانوني بحق الدفاع الشرعي كوسيلة مشروعة لحماية النفس أو المال أو الغير، إلا أن هذا الحق ليس مطلقًا، بل تحيط به قيود صارمة تضمن عدم الانزلاق إلى الاعتداء أو إساءة الاستعمال. ويتضح ذلك جليًا من خلال حظر بعض الأفعال ولو ارتُكبت تحت ستار الدفاع، أبرزها القتل العمد ومقاومة السلطات. وعليه، ينقسم هذا المطلب إلى فرعين أساسيين:

 

الفرع الأول: حظر القتل العمد

يُعد القتل من أخطر الأفعال التي قد يلجأ إليها الشخص في إطار الدفاع الشرعي، ولذا وضع المشرّع قيودًا صارمة على مشروعية القتل ضمن هذا السياق. ويمكن التمييز هنا بين حالتين:

أولًا: القتل العمد دفاعًا عن النفس

يُعد الدفاع عن النفس من الأفعال التي يُمكن أن تبرّر القتل في حالات نادرة، بشرط أن يكون هذا القتل الوسيلة الوحيدة لدرء خطر جسيم حالّ يهدد الحياة. ولكن المشرّع لا يسمح باللجوء إلى هذا الحد إلا في حال استنفاد كل الوسائل الأقل ضرراً، وثبوت أن المدافع لم يكن أمامه أي خيار آخر لحماية حياته. ففي حال وجود إمكانية للهرب أو الاستغاثة، يُعد اللجوء إلى القتل تجاوزًا للدفاع المشروع، ويُسأل عنه المدافع جنائيًا، وإن تم تخفيف العقوبة لأسباب إنسانية أو ظرفية. وقد أكدت محكمة النقض المصرية على هذا المبدأ بقولها:إذا تجاوز المدافع حدود الضرورة والتناسب، خرج عن نطاق الدفاع الشرعي وسقطت عنه الحماية القانونية[12].

 

ثانيًا: القتل العمد دفاعًا عن المال

يختلف الأمر عندما يتعلق الدفاع بحماية المال، إذ أن المشرّع يتشدّد أكثر في تقييد اللجوء إلى العنف القاتل. فلا يجوز قتل المعتدي إذا كان الخطر يهدد المال فقط، ما لم يكن هذا المال مصحوبًا بتهديد مباشر للحياة أو لم يكن بالإمكان استرداده بوسائل أخرى. فالدفاع عن المال لا يُجيز القتل إلا إذا توافرت شروط الضرورة والتناسب والخطر الحالّ، وكان الاعتداء مسلحًا أو عنيفًا. ويشير بعض الفقه إلى أن حماية الحياة تُقدّم على المال دائمًا، ولا يجوز إهدار حياة المعتدي بسبب ممتلكات يمكن تعويضها. وقد نص قانون العقوبات العراقي في المادة (42) على أن الدفاع عن النفس يختلف في شروطه عن الدفاع عن المال، ويُخضع الثاني لقيود أكثر صرامة في ما يتعلق باستخدام القوة المميتة[13].

 

الفرع الثاني: حظر مقاومة أفراد السلطة العامة

يعد هذا القيد من أهم القيود التي تُفرض على ممارسة حق الدفاع، إذ لا يجوز الاعتداء أو مقاومة موظفي السلطة العامة أثناء تأدية مهامهم، إلا إذا ثبت أن أعمالهم كانت خارج حدود القانون، وتشكل اعتداءً حقيقيًا لا يستند إلى سند قانوني. فالقاعدة العامة أن الأوامر أو الأفعال الصادرة عن رجال السلطة -كالشرطة أو الضبط القضائي- تفترض صحتها ما لم يثبت العكس، ويُفترض بالمدافع اللجوء إلى الوسائل القانونية للطعن فيها، لا إلى المواجهة العنيفة. ومع ذلك، فإن المشرّع لم يُغفل الحالات التي يتحوّل فيها رجل السلطة إلى معتدٍ، كأن يداهم منزلاً دون إذن أو يعتدي على شخص خارج القانون، وفي هذه الحالة فقط يُمكن اعتبار الدفاع مشروعًا، بشرط أن يكون متناسبًا ومحدوداً برد الفعل دون تجاوز. وقد أوضح الفقيه محمود نجيب حسني أن: "الدفاع ضد موظف عام لا يكون مشروعاً إلا إذا ثبت أن فعله يخرج عن نطاق السلطة المخولة له، وأنه يشكل خطرًا حقيقيًا غير مشروع على الشخص أو ماله"[14]. كما أقر القضاء المصري والعراقي بهذا التوجه في مواضع عدة، معتبراً أن حماية السلطة لا تبرر التجاوز أو الإضرار بالحقوق الفردية المكفولة قانوناً. ويُفهم من ذلك أن مقاومة رجال السلطة ليست محل دفاع شرعي إلا في حالات استثنائية ومقيدة جدًا، إذ أن الأصل هو الامتثال للقانون، والطعن على الإجراءات بطرقها القضائية، وليس ردّها بالقوة.

 

المبحث الثاني: موقف المشرع العراقي من الدفاع الشرعي

يتناول هذا المبحث الكيفية التي نظم بها قانون العقوبات العراقي الدفاع الشرعي، سواء من حيث الأثر القانوني للفعل الدفاعي، أو من حيث العواقب المترتبة على تجاوز حدوده. وقد عالج المشرّع هذه الأحكام ضمن المواد (42 إلى 44) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969. وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين رئيسيين:

 

المطلب الأول: أثر الدفاع الشرعي

يُعد الدفاع الشرعي من أبرز أسباب الإباحة التي أقرتها التشريعات الجنائية، حيث يترتب على توافر شروطه القانونية أثر بالغ يتمثل في نفي المسؤولية الجنائية والمدنية عن الفعل المرتكب، حتى وإن توافرت فيه أركان الجريمة التقليدية. وقد نظم المشرع العراقي هذا الأثر بشكل واضح في المادة (42) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، حيث نصّ على أنه: "لا جريمة إذا وقع الفعل استخدامًا لحق مقرر بمقتضى القانون، ويعد استعمالاً للحق كل فعل يرتكب في ممارسة الدفاع الشرعي وفقًا لأحكام المواد التالية."

      كما نستنتج أن أثر الدفاع الشرعي يكمن في نفي الجريمة من أصلها، وليس مجرد تخفيف العقوبة أو الإعفاء منها. فهو يُعد بمثابة سبب إباحة  يزيل عن الفعل صفته غير المشروعة، وينفي عن مرتكبه الوصف الإجرامي.

 

أولًا: نفي الركن الشرعي للجريمة

يتطلب قيام أي جريمة أن يكون الفعل مخالفًا للقانون، وهذا ما يُطلق عليه "الركن الشرعي". فإذا كان الفعل قد تم في إطار الدفاع الشرعي، فإن هذا الركن ينتفي، لأن القانون ذاته يُبيح ارتكاب الفعل دفاعًا عن النفس أو الغير أو المال. وفي هذه الحالة، لا مجال للقول بقيام الجريمة، لأن القانون لا يُجرّم الفعل الدفاعي الذي يندرج ضمن الشروط التي نصّ عليها المشرع. ويؤكد الفقه الجنائي أن "الفعل الدفاعي المشروع يُعد مباحًا ابتداءً، ولا يدخل في دائرة التأثيم الجنائي[15].

 

ثانيًا: انتفاء القصد الجنائي (الركن المعنوي)

إذا اعتُبر الفعل الدفاعي مشروعًا، فإن القصد الجنائي – بوصفه ركنًا معنويًا – لا يتحقق، لأن نية الفاعل لم تتجه نحو ارتكاب الجريمة، بل إلى دفع خطر وشيك يهدد مصلحة مشروعة. ويؤدي ذلك إلى انعدام المسؤولية الجنائية عن الفعل، مهما كانت جسامته، ما دام الغرض منه الدفاع لا الاعتداء. ويذهب الفقيه المصري الدكتور محمود نجيب حسني إلى أن "القصد لا يتوافر في فعل مشروع، لأن نية الاعتداء تنعدم فيه[16].

 

ثالثًا: الأثر المدني للدفاع الشرعي

لا يقتصر أثر الدفاع الشرعي على المسؤولية الجنائية فحسب، بل يمتد إلى نفي المسؤولية المدنية كذلك، ما دام الفعل قد تم ضمن حدود الدفاع المشروع. فالشخص الذي يتلف مال الغير أو يتسبب له بضرر أثناء دفع اعتداء غير مشروع، لا يُسأل مدنيًا عن هذا الضرر، لأنه لم يُرتكب بفعل غير مشروع. وهذا ما يتوافق مع القاعدة العامة في القانون المدني التي تُسقِط التعويض إذا انتفى الفعل غير المشروع.

 

رابعًا: تطبيقات قضائية

أقرت محكمة التمييز العراقية بعدد من الأحكام مبدأ أن "الدفاع الشرعي، متى ثبت وقوعه ضمن شروطه، ينفي الجريمة تمامًا ويحول دون مساءلة الفاعل جنائيًا ومدنيًا" [17]. وتعد هذه التطبيقات القضائية ترجمة عملية لنصوص قانون العقوبات، وتؤكد على مركزية الدفاع الشرعي كأداة قانونية للحماية لا للمساءلة.

خامسًا: الفرق بين الدفاع الشرعي والإعفاء من العقوبة

من المهم التمييز بين أثر الدفاع الشرعي وأسباب الإعفاء من العقوبة. فالأول يؤدي إلى نفي الجريمة من الأساس، فلا تقع الجريمة أصلًا، أما الإعفاء من العقوبة، كما هو الحال في الأعذار القانونية أو ظروف التخفيف، فإنه يفترض قيام الجريمة بكامل أركانها، ولكن يُعفى الفاعل من العقوبة لأسباب خارجة عنها.

 

المطلب الثاني: تجاوز حدود الدفاع الشرعي

رغم أن المشرّع العراقي أقرّ بحق الدفاع الشرعي كوسيلة قانونية مشروعة لدفع الاعتداء، إلا أنه لم يجعل هذا الحق مطلقًا دون قيد، بل أحاطه بجملة من الضوابط التي تُحدد مشروعية استعماله. ومن أبرز هذه الضوابط ما يتعلق بـتجاوز حدود الدفاع، وهي الحالة التي يستخدم فيها المدافع قوة مفرطة أو يلجأ إلى وسائل تتجاوز ما تقتضيه الضرورة الفعلية لردّ الخطر، مما يُخرجه من نطاق الإباحة. وقد نظم المشرع العراقي هذا الموضوع ضمن المادة (44) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، والتي نصّت على ما يلي" :إذا تجاوز الشخص حدود الدفاع الشرعي، وكان ذلك نتيجة لاضطراب في أعصابه بسبب الخطر الذي واجهه، عُدّ فعله جريمة، ولكن يُمكن تخفيف العقوبة."  من خلال هذا النص يتبيّن أن المشرّع العراقي قد أخذ بحالة وسط بين الإباحة الكاملة وقيام الجريمة، وهي حالة التجاوز المعذور، الذي يُمكن أن تُخفف فيه العقوبة إذا ثبت أن الفاعل كان في حالة اضطراب نفسي شديد نتيجة الموقف الدفاعي.

      أولًا: مفهوم تجاوز حدود الدفاع يقصد بتجاوز حدود الدفاع أن يُستخدم هذا الحق بصورة غير متناسبة مع حجم الاعتداء، أو أن يُمارس الفعل الدفاعي في غير الوقت الملائم له، أو أن تُستخدم وسيلة مبالغ فيها. ومن أمثلة ذلك أن يُطلق شخص النار على معتدٍ غير مسلح، أو أن يواصل الاعتداء على الخصم بعد أن يكون الخطر قد زال. ويُفرق الفقه بين نوعين من التجاوز.

 

  • تجاوز غير معذور: وهو ما يحدث بدافع الانتقام أو الكراهية، ولا يُعتدّ فيه بوجود نية الدفاع، فيُعامل الفعل بوصفه جريمة كاملة.

  • تجاوز معذور: وهو الذي يقع نتيجة خوف أو اضطراب نفسي لحظي، وهنا يأخذ الفعل وصف الجريمة، ولكن يُمكن تخفيف العقوبة. وقد أشار الدكتور علي حسن الخلف إلى أن" :التجاوز المعذور لا ينفي الجريمة، ولكنه يخفف من وطأتها على الجاني، مراعاة لظروفه النفسية التي قد تفقده التقدير الصحيح للموقف الدفاعي."[18]

 

      ثانيًا: شروط اعتبار الفعل تجاوزًا معذورًا نصّت المادة (44) على شرط أساس لتخفيف العقوبة في حالة التجاوز، وهو أن يكون هذا التجاوز ناتجًا عن "اضطراب في الأعصاب" بسبب مواجهة الخطر. ويُفهم من ذلك أن القاضي يمتلك سلطة تقديرية لتقييم مدى تحقق هذا الشرط. فإذا ثبت للمحكمة أن المدافع قد تجاوز حدود الدفاع تحت تأثير الخوف أو الذعر، فإن بإمكانها تخفيف العقوبة وفقًا لأحكام المادة (132) من القانون ذاته. ويلاحظ أن المشرّع العراقي لم يمنح القاضي صلاحية الإعفاء التام، بل اقتصر على التخفيف، وذلك لأن الفعل يظل غير مشروع من حيث النتيجة، حتى لو كانت دوافعه مبررة.

      ثالثًا: أثر التجاوز على المسؤولية الجنائية التجاوز يُفقد الفعل صفته المباحة، ويُعدّ جريمة قائمة، ولكن المسؤولية عنه تختلف بحسب ظروف الواقعة: إذا كان التجاوز مبررًا نفسياً : تُخفف العقوبة.  إذا لم يكن هناك اضطراب أو خوف: يُعاقب الفاعل كمن ارتكب فعلًا عمديًا. ويذهب القضاء العراقي في العديد من قراراته إلى ضرورة تقدير حالة المدافع وظروف الواقعة بدقة، والتفريق بين الدفاع المشروع، والتجاوز المعذور، والتجاوز غير المبرر. وقد جاء في أحد أحكام محكمة التمييز العراقية: "إن التقدير الصحيح لمشروعية الفعل الدفاعي يجب أن يستند إلى حالة الخطر الآني وشخصية المدافع وظروف الواقعة كاملة [19]

      رابعًا: التمييز بين الدفاع الشرعي والتجاوز من المهم التمييز بين الدفاع الشرعي الذي يُبيح الفعل من الأساس، وبين التجاوز الذي يُبقي الفعل موصوفًا كجريمة. ويُلاحظ أن الدفاع المشروع يفترض توافر التناسب، الضرورة، والنية الدفاعية، أما التجاوز فينطوي على غياب أحد هذه العناصر، أو استعمالها بقدر مفرط.

 

المبحث الثالث  الدفاع الشرعي في التشريعات المقارنة

المطلب الأول: الدفاع الشرعي في القانون المصري:نظّم المشرّع المصري أحكام الدفاع الشرعي في قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، ضمن المواد (245–251)، حيث يُعد الدفاع أحد أسباب الإباحة التي تُزيل الصفة الجنائية عن الفعل عند توافر شروطه. وقد أتاح القانون للفرد استخدام القوة لدفع خطر حالّ غير مشروع، شرط ألا يتجاوز في ذلك حدود الضرورة والتناسب. وتنص المادة (246) من قانون العقوبات المصري على أن: "لا عقوبة إذا وقع الفعل استعمالًا لحق الدفاع الشرعي." وتُفصّل المادة (247) من القانون الحالات التي يُفترض فيها توافر الدفاع الشرعي، ومن بينها الدفاع عن النفس في مواجهة خطر القتل أو الإصابة الخطيرة وكذلك منع جريمة ماسة بالعرض كالإغتصاب أو هتك العرض بالاضافة الى صدّ اقتحام المسكن ليلًا.

      ولقيام الدفاع الشرعي يجب توافر شروط ومنها وجود اعتداء غير مشروع يهدد الشخص أو ماله. وكذلك أن يكون الاعتداء حالًا لا يمكن تجنبه. او أن يكون فعل الدفاع هو الوسيلة الوحيدة لدفع الاعتداء، مع مراعاة التناسب بين وسيلة الدفاع وخطورة الاعتداء. يُعتبر الدفاع الشرعي وسيلة لحماية المجتمع من الفوضى، إذ يمنح الأفراد صلاحية رد الاعتداء حين يتعذّر تدخل السلطة العامة، لكنه في الوقت ذاته لا يُعد ترخيصًا بالعنف غير المنضبط. ويؤكد الفقه المصري أن الدفاع يُعد مشروعًا فقط إذا تم في لحظة الخطر، ودون تجاوز حد الضرورة[20].

من الناحية القضائية، أكدت محكمة النقض المصرية أن توافر حالة الدفاع الشرعي أمر يُقدّره القاضي وفقًا لظروف الواقعة، ولا يخضع لتفسير جامد. كما بيّنت أن حسن نية المدافع أمر جوهري في التحقق من مشروعية فعله، ويُراعى عنصر "الانفعال الطبيعي" الذي قد يصيب الشخص أثناء التصدي للخطر[21].

وقد علّق الفقيه د. محمود نجيب حسني على موقف التشريع المصري بقوله: "إن الدفاع الشرعي يُعد تعبيرًا عن حماية العدالة الذاتية المنظمة، ووسيلة لمنع الجريمة حين يتعذر اللجوء إلى الدولة في الوقت المناسب"[22] ويُلاحظ أن القانون المصري ميّز بين الدفاع عن النفس، حيث يمكن اللجوء إلى القوة المميتة عند الضرورة، والدفاع عن المال الذي يشترط التناسب دون مبالغة. وهو ما يُظهر توجهًا تشريعيًا نحو ضبط استخدام القوة وفق معايير أخلاقية وقانونية متوازنة.

 

المطلب الثاني: الدفاع الشرعي في القانون الفرنسي

ينظّم القانون الجنائي الفرنسي (Code Pénal) أحكام الدفاع الشرعي تحت عنوان "أسباب الإباحة"، وذلك في المادة 122 5، التي تنص على ما يلي:  "لا يكون الشخص مسؤولًا جنائيًا إذا ارتكب الفعل الضروري لحماية نفسه أو الغير من اعتداء غير مشروع، شرط أن يكون الفعل متناسبًا مع جسامة الخطر." كما يُعدّ هذا النص حجر الزاوية في تنظيم الدفاع الشرعي في فرنسا، وهو يعكس توجهًا قانونيًا يُعلي من شأن الضرورة والتناسب كركيزتين أساسيتين لشرعية الفعل الدفاعي، دون الدخول في تعقيدات نفسية أو نية المدافع كما هو الحال في بعض التشريعات الأخرى.

      ويفترض القانون الفرنسي توافر شرطين لقيام الدفاع المشروع: أن يكون هناك اعتداء غير مشروع يهدد المدافع أو الغير بشكل مباشر. بالاضافة الى امكانية أن يكون فعل الدفاع ضروريًا ومتوازنًا مع طبيعة التهديد. وبخلاف بعض الأنظمة التي تُراعي الحالة النفسية للمدافع، فإن القانون الفرنسي يأخذ بمعيار موضوعي مفاده: "هل كان الشخص المعتدل العادي ليلجأ إلى ذات الفعل في نفس الظروف؟" فإذا ثبت ذلك، فإن الفعل يُعتبر مشروعًا، بغض النظر عن نية المدافع أو حالته الانفعالية [23].

      من جهة التطبيق القضائي، لعبت محكمة النقض الفرنسية دورًا مهمًا في توسيع نطاق هذا المفهوم، من خلال تفسير مرن للمادة (122-5). فمثلاً، اعتبرت المحكمة أن الدفاع في مواجهة السطو الليلي على المنزل، أو عند مواجهة اعتداء مفاجئ، يُعد دفاعًا مشروعًا، حتى ولو لم يُصَب المعتدي بإصابة بالغة. وقد قررت المحكمة في أكثر من مناسبة أن الدفاع الوقائي لا يُعد مشروعًا ما لم يكن الخطر حالًا، وهو ما يضمن توازنًا بين الحماية الفردية ومنع العدالة الخاصة[24].

كما يُلاحظ أن التشريع الفرنسي يُساوي بين الدفاع عن النفس والدفاع عن الغير، ويُجيز استخدام القوة للدفاع عن الممتلكات في حالات محددة، خاصة في حال وجود خطر مباشر على النفس أو عند اقتحام حرمة المسكن. وهذا يُبرز التقدير الخاص لحرمة الحياة الخاصة في الفقه الفرنسي، ويُقابله في القانون العراقي مفهوم "الخطر الحالّ."

 

المطلب الثالث: المقارنة مع القانون العراقي

عند مقارنة نظام الدفاع الشرعي في القانون العراقي بنظيريه المصري والفرنسي، يتبين أن المشرّع العراقي قد تبنّى المبادئ العامة المتعارف عليها في القوانين الجنائية المقارنة، لا سيما في ما يتعلق بضرورة وجود خطر غير مشروع، حالّ، ولا يمكن دفعه إلا بالقوة، بالإضافة إلى شرط التناسب بين الفعل الدفاعي وطبيعة الاعتداء. وقد نصت المادة (43) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على هذه الشروط الثلاثة بصورة صريحة، مطابقة لما هو معمول به في القانونين المصري والفرنسي [25].

      إلا أن القانون العراقي انفرد عن التشريعين المقارنين في تنظيمه لحالة تجاوز حدود الدفاع الشرعي، حيث نصّت المادة (44) على إمكانية تخفيف العقوبة إذا كان التجاوز ناتجًا عن اضطراب في الأعصاب أو الخوف أثناء المواجهة، وهو ما لم يرد بصيغة واضحة في القانون الفرنسي أو المصري. ويُعد هذا النص تعبيرًا عن توجه إنساني يعترف بالحالة النفسية التي قد تصيب الشخص أثناء رد الفعل، ويمنح القاضي هامشًا لتقدير ظروف المدافع [26].

      أما من حيث الدفاع عن المال، فيُلاحظ أن القانون العراقي يُشدد على ضرورة التناسب، ويمنع استخدام القوة المميتة إلا في حالات قصوى، على غرار القانون المصري، بينما يمنح القانون الفرنسي مرونة أكبر في هذا الجانب، خاصة في حالات الدفاع داخل المسكن أو ضد السطو المسلح[27]. بناءً على ذلك، يمكن القول إن المشرّع العراقي تبنّى موقفًا متوازنًا ومحافظًا في تنظيم الدفاع الشرعي، يجمع بين المبادئ العامة ويُضفي خصوصية مستمدة من البيئة القانونية والاجتماعية المحلية.

 

الخاتمة

الاستنتاجات:

 

  • إن حق الدفاع الشرعي يُعد من الحقوق الطبيعية المقررة قانونًا، ويشكل ركيزة أساسية في التوازن بين حماية الفرد وضمان استقرار المجتمع.

  • يلتقي كل من القانون العراقي والمصري في الاعتراف بهذا الحق، إلا أن كلاهما يختلف من حيث التفصيلات التنظيمية والتطبيقية، خاصة فيما يتعلق بشرط التناسب وتقدير الخطر الحال.

  • التشريعات المقارنة، وبالأخص القانون الفرنسي، قدّمت نماذج أكثر مرونة في تفسير شروط الدفاع، لا سيما في ما يتعلق بالدفاع عن النفس داخل المسكن، ما يمكن أن يُفيد المشرّع العراقي في تطوير نصوصه.

  • لا تزال التطبيقات القضائية في بعض الحالات تتسم بالتباين، مما يُظهر الحاجة إلى اجتهاد قضائي مستقر يعزز من حماية الحقوق ويقلل من التناقضات.

  • وجود غموض في بعض النصوص القانونية أدى إلى تفاوت في فهم وتطبيق الدفاع الشرعي، وهو ما يستوجب تدخلًا تشريعيًا لتفسير المصطلحات الجوهرية مثل "الخطر الحال" و"اللجوء إلى السلطات".

  • الدفاع الشرعي قد يتحول من وسيلة للحماية إلى وسيلة للعدوان أو الانتقام، إذا لم تُحدد حدوده وضوابطه بشكل دقيق.

  • لا بد من تعزيز الثقافة القانونية العامة لدى المواطنين حول الحق في الدفاع، حتى لا يقعوا في تجاوزات قانونية بحسن نية.

  • الدفاع الشرعي يحتاج إلى قراءة شاملة تأخذ في الحسبان الأبعاد الاجتماعية والنفسية، وليس فقط القانونية، لضمان عدالة متكاملة.

 

التوصيات

 

  • ندعو المشرع العراقي إلى مراجعة المواد المتعلقة بالدفاع الشرعي في ضوء التجارب المقارنة، لا سيما القانون الفرنسي.

  • ضرورة تحديد مصطلحات "الخطر الحال" و"اللجوء إلى السلطات" بشكل قانوني دقيق للحد من الاجتهادات المتباينة.

  • توسيع نطاق الدفاع المشروع ليشمل حالات الاعتداء النفسي والتهديد الوشيك.

  • إدراج معيار "الظرف النفسي" للمدافع ضمن العوامل المؤثرة في تقدير تجاوز حدود الدفاع.

  • تعزيز التكوين القضائي المستمر لقضاة الجنايات حول تفسير وتطبيق الدفاع الشرعي.

  • إصدار دليل قضائي موحد يوجه المحاكم في تقدير الحالات المرتبطة بالدفاع المشروع.

  • تنظيم حملات توعية قانونية للمواطنين حول الحقوق والواجبات في مواجهة الاعتداءات.

  • إدخال موضوع الدفاع الشرعي ضمن مقررات القانون الجنائي العملي في الجامعات.

  • مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية عند صياغة النصوص المتعلقة بالدفاع.

  • دعم البحوث القانونية المقارنة حول هذا الحق المهم لضمان استجابة التشريعات  للتطورات المجتمعية.

REFERENCE
  1. د.علي حسٌين الخلف، د. سلطان عبدالقادر الشاوي ‘ المبادء العامة في قانون العقوبات، جامعة بغداد. كلٌة القانون،1982، ص 27.

  2. د. احمد عبدالله بشير، القانون الجنائي العام، الجزء الاول في الجريمة ، ط،1القاهرة ، دار النهضة العربية،1998, ص 100.

  3. د. سميح عاطف الزين، موسوعة الفقه الجنائي الإسلامي المقارن، مرجع سابق، ص308.

  4. د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1985، ص100.

  5. د. علي حسن الخلف، ود. سلطان عبد القادر الشاوي، مرجع سابق، ص 29.(11)

  6. د. أحمد عبد الله بشير، مرجع سابق، ص 103.

  7. د. أحمد عبد الله بشير، مرجع سابق، ص 114.

  8. د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات – القسم العام، القاهرة: دار النهضة العربية، 1975، ص 100.

  9. د. محمود نجيب حسني، مرجع سابق، 1985، ص 101.

  10. د. أحمد عبد الله بشير، *مرجع سابق*، ص 115.

  11. د. سمر علي، *أصول قانون العقوبات – القسم العام: دراسة مقارنة، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات، 1986، ص 62

  12. محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 2142 لسنة 46 قضائية، جلسة 1977/11/13.

  13. قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، المادة(42) .

  14. د. محمود نجيب حسني، مرجع سابق ، ص103.

  15. د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات – القسم العام، دار الشروق، القاهرة، 2005، ص210.

  16. د. محمود نجيب حسني، مصدر سابق، ص106

  17. قرار محكمة التمييز الاتحادية، رقم 145/جزائية/2012، بتاريخ 15/5/2012. [^4]: قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، المادة (42). 

  18. قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم 231/جزائية/2015 في 17/3/2015.

  19. قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، المادة (44).

  20. د. أحمد فتحي سرور، المصدر سابق، ص 212–216.

  21. مجموعة أحكام محكمة النقض، س 42، ق 129، جلسة 9/12/1991.

  22. د. محمود نجيب حسني، مصدر سابق، ص 113–117.

  23. Beziz-Ayache, A. (2016). Dictionnaire de droit pénal et procédure pénale

  24. AKTYPIS, S. (2008). L’adaptation du droit pénal français au Statut de la Cour pénale internationale: état des lieux. Revue Droits fondamentaux, 1-35.‏

  25. قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، المادة (43).

  26. د. علي حسن الخلف، ود. سلطان عبد القادر الشاوي، مصدر سابق، ص 103–104.

  27. د. سمر علي، مصدر سابق، ص 64–66.

Recommended Articles
Research Article
The Hidden Killer: Algorithmic Atmospheres and the Death of the User
Published: 30/05/2026
Download PDF
Research Article
The Legal Regulation for Protecting Persons with Mental Disabilities
Published: 30/06/2025
Download PDF
Research Article
The Role of the United Nations in Combating the Crime of Money Laundering
Published: 04/01/2026
Download PDF
Research Article
The Management of Forest Area by Forest Management Unit in Creating Law Certainty and Justice (A Case Study in Daerah Istimewa Yogyakarta Province)
...
Published: 30/06/2021
Download PDF
Chat on WhatsApp
Flowbite Logo
PO Box 101, Nakuru
Kenya.
Email: office@iarconsortium.org

Editorial Office:
J.L Bhavan, Near Radison Blu Hotel,
Jalukbari, Guwahati-India
Useful Links
Order Hard Copy
Privacy policy
Terms and Conditions
Refund Policy
Shipping Policy
Others
About Us
Team Members
Contact Us
Online Payments
Join as Editor
Join as Reviewer
Subscribe to our Newsletter
+91 60029-93949
Follow us
MOST SEARCHED KEYWORDS
Copyright © iARCON International LLP . All Rights Reserved.